قراءة عن الأدب الإسرائيلي.
هناك فجوة هائلة بين ما تقوم به مراكز الأبحاث الإسرائيلية المتخصصة في العالم العربي، وبين ما نقوم به من دراسات منهجية تعتمد في رصد الواقع الإسرائيلي على المصادر العبرية، كما يذكر د. رشاد عبد الله الشامي في كتابه: عجز النصر. ( الأدب الإسرائيلي وحرب 1967. دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع 1990).
والكتاب محاوله لسد الفجوة لدى المثقف العربي وتعريفه باتجاهات الأدب العبري عامة والإسرائيلي خاصة بما يعكسه من توترات وصرا عات المجتمع الذي افرز هذا الأدب. يأتي عنوان الكتاب " عجز النصر" تعبيرا عن أزمة المجتمع الإسرائيلي الذي يستمد وجوده من الأيدلوجية الصهيونية القائمة على العدوان، ففي تاريخ الاستيطان اليهودي ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي، تبدوا الحروب أسطورة مغلقة كغيرها من الأساطير التي يتعامل معها الفكر الصهيوني الغيبي، كأسطورة ارض الميعاد والشعب المختار والحق التاريخي في فلسطين. حيث يتعامل الوجدان الإسرائيلي مع الحرب كما لو كانت قدرا وحالة لا نهائية ودائرة مغلقة لا فكاك منها. ويتمثل عجز النصر في أن الانتصارات في هذه الحروب لا تحل تناقضات المجتمع الإسرائيلي وتخلف مشاكل أكثر تعقيدا، ولم تؤدي إلى جعل المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة من السلام ولو حتى المؤقت، فما بين حرب وأخرى يستعدون لحرب جديدة. ولذلك أصبحت الحروب هي المحور الزمني لإسرائيل. فالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والأدبي يتم تقسيمه وفقا للحروب وتاريخ نشوبها، فهناك أدب حرب 1948، وأدب حرب 1967، وأدب حرب يوم الغفران1973، وأدب حرب 1982 (حرب لبنان).
هذا الإنتاج الأدبي عن الحروب وآثارها على المجتمع والفرد الإسرائيلي مصدر هام لمن يريد التعرف على هذا المجتمع، فالشك المريع، والسخرية، والشعور بالمرارة، والاغتراب، وحلول الفردية محل الجماعية، كلها سمات تهيمن على الواقع الإسرائيلي لتجد طريقها إلى الأدب.
الملامح الأساسية للأدب العبري في فلسطين حتى الخمسينات.
ظل المركز الرئيسي للإنتاج الثقافي العبري مركزا في شرق اوروبا حتى بداية القرن العشرين، ففي عام 1855م كان عدد اليهود في فلسطين 10500 يهودي. ثم بدأت الهجرة الصهيونية الى فلسطين ، الأولي عبر سنوات 1882ـ1885 وحملت الى فلسطين 1500 يهودي في العام حتى اصبح في فلسطين سنة 1898حوالي 50000 يهودي، والثانية بدأت عام 1907 وحتى الحرب العالمية الاولي حيث وصل عددهم الى حوالي 85000 يهودي، ومع موجة الهجرة الثالثة عام 1922 وصل العدد عام 1930 الى 165000 يهودي. هذهالهجرات ادت إلى تكوين مركز ثقافي عبري في فلسطين إلى جانب المركز الثقافي العبري في شرق أوروبا، وظل مرتبطا بالمركز الثقافي الأم في روسيا حتى الحرب العالمية الثانية، وكان تأثيره قويا على الأدب العبري في فلسطين في مرا حلة الأولى في الموضوعات والأسلوب والبناء القصصي. تأتى أهمية الهجرة الثانية في أن زعمائها أدركوا العلاقة بين الأدب والحياة، حيث كانت القيم الصهيونية أهم من الإنسان، وصوروا الشخصية الصهيونية على أنها حققت تلك القيم بالكامل. وقد تناول أدباء الهجرة الثالثة نفس القضايا مع بعض الاختلافات في رؤية الواقع الصهيوني الجديد في فلسطين، وفرضت العلاقات العربية اليهودية نفسها كموضوع للمعالجة على أدباء تلك الهجرة، ونشأ نوع من الوعي الجماعي الصهيوني عند هذا الجيل الذي عرف بجيل الآباء المؤسس للكيان الصهيوني والذي أرسى قيم الطليعية الصهيونية وسعى لتمجيد البطولات اليهودية القديمة والصهيونية الحديثة وخلقوا الصورة المثالية لهذا النموذج.
ويمكن تصنيف إنتاجهم الأدبي إلى الاتجاهات آلاتية:
ـ الأدب الذي يهتم بوصف طبيعة فلسطين وأنماطها البشرية وابرز ممثليـــــــــــــه موشيه سميلانسكي( 1886ـ1953).
ـ الأدب الطليعي الذي وصف الصراع بين المستوطنين الصهاينة وأصحاب الأرض الفلسطينيين، وأبرزهم يهودا بورلا (1881ـ1969) وموشيه سميلانسكي.
ـ قصص المهاجرين وهي التي اهتمت بوصف غربتهم في فلسطين كبلد هجرة وأبرزهم يوسف حاييم برينر(1881ـ1921) وشموئيل يوسف عجنون(1888ـ1970) وقد حصل على جائزة نوبل للآداب.
ـ قصص الخرافات والأساطير ذات الطابع الرومانسي والديني وابرز ممثليها شموئيل يوسف عجنون.
ـ القصص ذات الطابع الصوفي ومن ابرز ممثليها يهودا بورلا وإسحاق شماي(1888ـ 1949).
ألأدب العبري في فلسطين خلال الأربعينات والخمسينات.
اعتاد نقاد الأدب العبري الإسرائيلي على تقسيم الأدباء من بداية الأربعينات حتى الثمانينات إلى مجموعتين:
ـ الأدباء الذين بدأوا في نشر إنتاجهم الأدبي في نهاية الثلاثينات واعتبارا من من منتصف الأربعينات وأطلق عليهم جيل البلد أو جيل البالماح.
ـ الأدباء الذين ظهروا من منتصف الخمسينات وبدأو النشر في الستينات ويطلق عليهم جيل الدولة أو الموجة الجديدة.
إن التحول التاريخي في موضوعات الأدب العبري من وصف حياة اليهود خارج فلسطين إلى وصفها خلال مراحل الاستيطان تجعل لذلك الأدب سمة فريدة هي تعاقب التغيرات في أعمال الأديب الواحد نتيجة موقفه من الشتات اليهودي" الديسابورا" وثقافته مما يجعل من الضروري دراسة كل عمل على حدة، فمعظم أدباء هذه المرحلة وصلوا من شرق أوروبا بعد فترة انتقال في غرب أوروبا وأمريكا، فاطلعوا على الآداب العالمية بلغاتها الأصلية وارتبطوا بالتقاليد اليهودية في شرق أوروبا، مما جعل الناقد الإسرائيلي جر شون شاكيريصف الأدب العبري لتلك الفترة بأنه أدب مستورد.
ويؤرخ للإنتاج الأدبي لمواليد فلسطين من الأدباء أبناء المهاجرين اليهود بظهور باكورة الإنتاج الأدبي للأديب العبري يزهار سميلانسكي المعروف باسم س. يزهار، ولد سنة 1916 لأسرة من الفلاحين والادباء، واصدر اول كتبه بعنوان " افرايم يعود للصفصفة"1938 وهو بداية جيل الوسط واستطاع أن يواجه الواقع البيئي وان يطرح انطباعات عن العبري الجديد دون الحاجة إلى المبالغة في البطولة كالفترات السابقة. وأدباء هذا الجيل الذين نشروا إنتاجهم مع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات مالوا إلى الابتعاد عن الواقعية بفعل عوامل نشأة الدولة اليهودية وحرب 48 والانهيار الأخلاقي للقيم الصهيونية. لقد تربى هذا الجيل على اللغة العبرية، وعاصر مراحل الاستيطان اليهودي وقيام دولة إسرائيل، والتحول الحاد من نموذج المقاتل إلى نموذج الثري والموظف ورجل الأعمال، فالاتجاه نحو البناء الاقتصادي والسياسي استلزم التخصص والفرية، فأصبح تبدد الآمال موضوعا لأدب ما بعد حرب 48
سعى رواد الهجرتين الأولى والثانية إلى خلق نمط يهودي جديد على ارض فلسطين ليكون أبنائهم بعيدين قدر الامكان عن صورة يهودي الشتات القديم، فأصبح التعبيرين "جالوت"(المنفي) و"إسرائيلي" بمثابة نقيضين في الفكر الإسرائيلي، فالإسرائيلي يرمز للجديد المتألق صحة والمنتصب قامة، بينما يرمز الجالوتي للقديم المحني الظهر. وهكذا خلقت شخصية "الصبار" sabra التي أصبحت الشخصية المحورية في الأدب العبري الحديث، وهو تعبير يوهم بأن الصهر الاجتماعي لمختلف الأصول الحضارية قد تحقق في إسرائيل وتمثل في جيل جديد في إسرائيل هو جيل "الصبار يم" ، وأصبح ظهور هذه الشخصية مقرونا بتحقير توأمه فتى الجيتو(الحي اليهودي في غرب أوروبا) حيث ترجم رفض الجيتو إلى رفض اليهودي الجيتوي المعقد. لقد أراد المجتمع الصهيوني الاستيطاني أن تمثله شخصية الصبار الكلاسيكي سواء كانت انعكاسا لواقع اجتماعي أم لا، وتتمثل ملامح تلك الشخصية في المثالية التي تقوم على حب بيئة الواقع الاستيطاني والقيم التي تلقوها عن التضحية بالذات( الأنا تنسحب دائما أمام النحن) وقناعتهم بان الحل الصهيوني هو الحل الوحيد لوجود الأمة اليهودية، وإيمانهم بأنهم أبناء حرب وأنهم حلقه في سلسلة التاريخ اليهودي.
كانت اقرب الشخصيات التي ظهرت في الأعمال العبرية الأدبية إلى هذه الشخصية هي شخصيه "أوري" بطل رواية "لقد سار في الحقول" لموشيه شامير1947 وهو ذلك الفتى القائد الذي يفضل مهمته على فتاته المهاجرة الجديدة ويؤدي المهام المكلف بها رغم ظروفه العائلية المرتبكة، ويضحي بحياته لينقذ رفاقه بسبب خطأ ارتكبه احد المهاجرين الجدد. وهو نموذج جديد نقيض للنموذج التقليدي في الأعمال الأدبية السابقة، وهو ذلك النموذج الذي يعيش في حالة صراع بين القيم اليهودية التقليدية وقيم الواقع الاستيطاني الجديد على ارض فلسطين, وظلت معالم هذه الشخصية مسيطرة على الواقع الأدبي الإسرائيلي إلى أن استطاع جيل ما بعد الستينات مثل عاموس عوزر، وا.ب يهوشراع، واهارون افيلفيلد، وعماليا كهنا كرمون التخلص منها.
وسع الأدب الإسرائيلي من أنماط أبطاله اعتبارا من الستينات فصاعدا، فأصبح هناك شخصيات تنتمي إلى يهود ألمانيا، والى الشباب اليهودي في بولندا خلال فترة النازي، وشخصيات تعبر عن مصائر من نجوا من النازي سواء في أوروبا أو من هاجروا إلى فلسطين، وشخصيات تعبر عن يهود الشرق"السفا رديم" والمهاجرين الجدد، وتمثلت في انتاجات العديد من الأدباء أمثال نعومي فرانكل، وأهارون أبيلفيلد، وشماي جولن، وشمعون بالاس، وسامي ميخائيل، ويهودا عميحاي، وعاموس عوزر، ويورام كنيوك، ورائيل دايان. لقد تلمس الأدب طريقه من النحن إلى ألانا ليعبر عن الفرد في صراعا ته ومواجهة المتناقضات التي يعانيها، وما أن وصل إلى ألانا حتى عاد الكتاب ليتساءلوا عن الصلة بين بينهم وبين النحن، وقام جيل من القصاصين يحاول أن يقطع الرابطة بين "الأنا" والمجتمع وجعلها مركز الوجود، ومنهم من سعى إلى الأنا الخالصة، وبرغم ذلك إلا أن هذا الأدب يعود إلى مصادره لدى سماع طبول الحرب كما حدث في حرب 67حيث عاد المبرزون من أدباء جيل البالماح وجيل حرب 48 من أمثال شامير وجو لدي والترمان و س. يزهار وعميحاي فانتصبوا في مواقعهم مجندين كما كانوا في البداية بالرغم من تمردا تهم السابقة.
بفنحاس ساديه والحياة كمثال.
يذكر المؤلف أن الموجة الجديدة دخلت إلى الأدب الإسرائيلي من ثلاث مداخل مختلفة: بالتأكيد المتطرف لمبدأ ألانا، وبالالتجاء إلى ذكريات الطفولة المرتبطة بعالم يهودي آخر، هو عالم ما قبل الفترة الصبارية، و بصياغة الأركان المظلمة في المجتمع الإسرائيلي والتي لا تقف في مركز الحياة الاجتماعية بل في إطرافها وتتيح عرضا لشخصيات فريدة، ومن الكتب المهمة الممثلة للموجة الجديدة "الحياة كمثال" للكاتب بفنحاس ساديه،
وهو كتاب اوتوبيوجرافي شكل نقيضا حادا للبيوجرافيا النموذجية لأبناء جيل البلد، يقول في مقدمة روايته:"إن هذا الكتاب هو عن ذاتي، عن إنسان منعزل يعيش مخفيا وجهه في صمت، ويرتدي ملابس رمادية، وأنا أحاول أن اكتب هذا الكتاب(حسب قول عالم الأسرار) ليس وفقا لرؤية الأشياء، بل وفقا للروح والمفهوم، وأنا أحاول أن اكتب ليس بواسطة الفن المزيف للمثقفين، بل بواسطة فن السخط وإحساس القلب، والدموع، والدعاية والأشواق، والقلق والذعر، إنني اكتب عن الحياة كما لو كنت اكتب عن مثال عن حلم".وكتب يقول"إذن فإنني لا أتحدث عن أي شئ خارج خارج نطاق التجربة الداخلية خارج الروح، وخارج كينونة وجود الفرد، ولست أتحدث عن مجتمع، وعن علاقات وعن تاريخ، وعن حكمة حياة وعن الآلهة، وعن كلاب جهنم، ولقد وقعت حروب وتوقفت، وأثارت أعمال الدولة الغبار ثم كنزت، وما تبقى في فقط هو لغز الحياة الشخصية، والذي لا يتكرر هو حياة الإنسان الفرد في مواجهة الرب الواحد، لهم مخصص كتاب: الحياة كمثال". إن هذا المانيفست الشخصي كتب من خلال احتقار للقارئ البرجوازي الصغير الذي يريد المؤلف أن يفاجأ ه باعترافاته، ويعرض أمامه حياته الشخصية كنقيض لحياته المنظمة، ويثبت حق الفنان في أن يعيش بكتاباته، وسادية يؤكد انه في طفولته قد جذبته الكنيسة، ومنذ ذلك الحين وهو يس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ