قراءة عن الأدب الإسرائيلي.
هناك فجوة هائلة بين ما تقوم به مراكز الأبحاث الإسرائيلية المتخصصة في العالم العربي، وبين ما نقوم به من دراسات منهجية تعتمد في رصد الواقع الإسرائيلي على المصادر العبرية، كما يذكر د. رشاد عبد الله الشامي في كتابه: عجز النصر. ( الأدب الإسرائيلي وحرب 1967. دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع 1990).
والكتاب محاوله لسد الفجوة لدى المثقف العربي وتعريفه باتجاهات الأدب العبري عامة والإسرائيلي خاصة بما يعكسه من توترات وصرا عات المجتمع الذي افرز هذا الأدب. يأتي عنوان الكتاب " عجز النصر" تعبيرا عن أزمة المجتمع الإسرائيلي الذي يستمد وجوده من الأيدلوجية الصهيونية القائمة على العدوان، ففي تاريخ الاستيطان اليهودي ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي، تبدوا الحروب أسطورة مغلقة كغيرها من الأساطير التي يتعامل معها الفكر الصهيوني الغيبي، كأسطورة ارض الميعاد والشعب المختار والحق التاريخي في فلسطين. حيث يتعامل الوجدان الإسرائيلي مع الحرب كما لو كانت قدرا وحالة لا نهائية ودائرة مغلقة لا فكاك منها. ويتمثل عجز النصر في أن الانتصارات في هذه الحروب لا تحل تناقضات المجتمع الإسرائيلي وتخلف مشاكل أكثر تعقيدا، ولم تؤدي إلى جعل المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة من السلام ولو حتى المؤقت، فما بين حرب وأخرى يستعدون لحرب جديدة. ولذلك أصبحت الحروب هي المحور الزمني لإسرائيل. فالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والأدبي يتم تقسيمه وفقا للحروب وتاريخ نشوبها، فهناك أدب حرب 1948، وأدب حرب 1967، وأدب حرب يوم الغفران1973، وأدب حرب 1982 (حرب لبنان).
هذا الإنتاج الأدبي عن الحروب وآثارها على المجتمع والفرد الإسرائيلي مصدر هام لمن يريد التعرف على هذا المجتمع، فالشك المريع، والسخرية، والشعور بالمرارة، والاغتراب، وحلول الفردية محل الجماعية، كلها سمات تهيمن على الواقع الإسرائيلي لتجد طريقها إلى الأدب.
الملامح الأساسية للأدب العبري في فلسطين حتى الخمسينات.
ظل المركز الرئيسي للإنتاج الثقافي العبري مركزا في شرق اوروبا حتى بداية القرن العشرين، ففي عام 1855م كان عدد اليهود في فلسطين 10500 يهودي. ثم بدأت الهجرة الصهيونية الى فلسطين ، الأولي عبر سنوات 1882ـ1885 وحملت الى فلسطين 1500 يهودي في العام حتى اصبح في فلسطين سنة 1898حوالي 50000 يهودي، والثانية بدأت عام 1907 وحتى الحرب العالمية الاولي حيث وصل عددهم الى حوالي 85000 يهودي، ومع موجة الهجرة الثالثة عام 1922 وصل العدد عام 1930 الى 165000 يهودي. هذهالهجرات ادت إلى تكوين مركز ثقافي عبري في فلسطين إلى جانب المركز الثقافي العبري في شرق أوروبا، وظل مرتبطا بالمركز الثقافي الأم في روسيا حتى الحرب العالمية الثانية، وكان تأثيره قويا على الأدب العبري في فلسطين في مرا حلة الأولى في الموضوعات والأسلوب والبناء القصصي. تأتى أهمية الهجرة الثانية في أن زعمائها أدركوا العلاقة بين الأدب والحياة، حيث كانت القيم الصهيونية أهم من الإنسان، وصوروا الشخصية الصهيونية على أنها حققت تلك القيم بالكامل. وقد تناول أدباء الهجرة الثالثة نفس القضايا مع بعض الاختلافات في رؤية الواقع الصهيوني الجديد في فلسطين، وفرضت العلاقات العربية اليهودية نفسها كموضوع للمعالجة على أدباء تلك الهجرة، ونشأ نوع من الوعي الجماعي الصهيوني عند هذا الجيل الذي عرف بجيل الآباء المؤسس للكيان الصهيوني والذي أرسى قيم الطليعية الصهيونية وسعى لتمجيد البطولات اليهودية القديمة والصهيونية الحديثة وخلقوا الصورة المثالية لهذا النموذج.
ويمكن تصنيف إنتاجهم الأدبي إلى الاتجاهات آلاتية:
ـ الأدب الذي يهتم بوصف طبيعة فلسطين وأنماطها البشرية وابرز ممثليـــــــــــــه موشيه سميلانسكي( 1886ـ1953).
ـ الأدب الطليعي الذي وصف الصراع بين المستوطنين الصهاينة وأصحاب الأرض الفلسطينيين، وأبرزهم يهودا بورلا (1881ـ1969) وموشيه سميلانسكي.
ـ قصص المهاجرين وهي التي اهتمت بوصف غربتهم في فلسطين كبلد هجرة وأبرزهم يوسف حاييم برينر(1881ـ1921) وشموئيل يوسف عجنون(1888ـ1970) وقد حصل على جائزة نوبل للآداب.
ـ قصص الخرافات والأساطير ذات الطابع الرومانسي والديني وابرز ممثليها شموئيل يوسف عجنون.
ـ القصص ذات الطابع الصوفي ومن ابرز ممثليها يهودا بورلا وإسحاق شماي(1888ـ 1949).
ألأدب العبري في فلسطين خلال الأربعينات والخمسينات.
اعتاد نقاد الأدب العبري الإسرائيلي على تقسيم الأدباء من بداية الأربعينات حتى الثمانينات إلى مجموعتين:
ـ الأدباء الذين بدأوا في نشر إنتاجهم الأدبي في نهاية الثلاثينات واعتبارا من من منتصف الأربعينات وأطلق عليهم جيل البلد أو جيل البالماح.
ـ الأدباء الذين ظهروا من منتصف الخمسينات وبدأو النشر في الستينات ويطلق عليهم جيل الدولة أو الموجة الجديدة.
إن التحول التاريخي في موضوعات الأدب العبري من وصف حياة اليهود خارج فلسطين إلى وصفها خلال مراحل الاستيطان تجعل لذلك الأدب سمة فريدة هي تعاقب التغيرات في أعمال الأديب الواحد نتيجة موقفه من الشتات اليهودي" الديسابورا" وثقافته مما يجعل من الضروري دراسة كل عمل على حدة، فمعظم أدباء هذه المرحلة وصلوا من شرق أوروبا بعد فترة انتقال في غرب أوروبا وأمريكا، فاطلعوا على الآداب العالمية بلغاتها الأصلية وارتبطوا بالتقاليد اليهودية في شرق أوروبا، مما جعل الناقد الإسرائيلي جر شون شاكيريصف الأدب العبري لتلك الفترة بأنه أدب مستورد.
ويؤرخ للإنتاج الأدبي لمواليد فلسطين من الأدباء أبناء المهاجرين اليهود بظهور باكورة الإنتاج الأدبي للأديب العبري يزهار سميلانسكي المعروف باسم س. يزهار، ولد سنة 1916 لأسرة من الفلاحين والادباء، واصدر اول كتبه بعنوان " افرايم يعود للصفصفة"1938 وهو بداية جيل الوسط واستطاع أن يواجه الواقع البيئي وان يطرح انطباعات عن العبري الجديد دون الحاجة إلى المبالغة في البطولة كالفترات السابقة. وأدباء هذا الجيل الذين نشروا إنتاجهم مع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات مالوا إلى الابتعاد عن الواقعية بفعل عوامل نشأة الدولة اليهودية وحرب 48 والانهيار الأخلاقي للقيم الصهيونية. لقد تربى هذا الجيل على اللغة العبرية، وعاصر مراحل الاستيطان اليهودي وقيام دولة إسرائيل، والتحول الحاد من نموذج المقاتل إلى نموذج الثري والموظف ورجل الأعمال، فالاتجاه نحو البناء الاقتصادي والسياسي استلزم التخصص والفرية، فأصبح تبدد الآمال موضوعا لأدب ما بعد حرب 48
سعى رواد الهجرتين الأولى والثانية إلى خلق نمط يهودي جديد على ارض فلسطين ليكون أبنائهم بعيدين قدر الامكان عن صورة يهودي الشتات القديم، فأصبح التعبيرين "جالوت"(المنفي) و"إسرائيلي" بمثابة نقيضين في الفكر الإسرائيلي، فالإسرائيلي يرمز للجديد المتألق صحة والمنتصب قامة، بينما يرمز الجالوتي للقديم المحني الظهر. وهكذا خلقت شخصية "الصبار" sabra التي أصبحت الشخصية المحورية في الأدب العبري الحديث، وهو تعبير يوهم بأن الصهر الاجتماعي لمختلف الأصول الحضارية قد تحقق في إسرائيل وتمثل في جيل جديد في إسرائيل هو جيل "الصبار يم" ، وأصبح ظهور هذه الشخصية مقرونا بتحقير توأمه فتى الجيتو(الحي اليهودي في غرب أوروبا) حيث ترجم رفض الجيتو إلى رفض اليهودي الجيتوي المعقد. لقد أراد المجتمع الصهيوني الاستيطاني أن تمثله شخصية الصبار الكلاسيكي سواء كانت انعكاسا لواقع اجتماعي أم لا، وتتمثل ملامح تلك الشخصية في المثالية التي تقوم على حب بيئة الواقع الاستيطاني والقيم التي تلقوها عن التضحية بالذات( الأنا تنسحب دائما أمام النحن) وقناعتهم بان الحل الصهيوني هو الحل الوحيد لوجود الأمة اليهودية، وإيمانهم بأنهم أبناء حرب وأنهم حلقه في سلسلة التاريخ اليهودي.
كانت اقرب الشخصيات التي ظهرت في الأعمال العبرية الأدبية إلى هذه الشخصية هي شخصيه "أوري" بطل رواية "لقد سار في الحقول" لموشيه شامير1947 وهو ذلك الفتى القائد الذي يفضل مهمته على فتاته المهاجرة الجديدة ويؤدي المهام المكلف بها رغم ظروفه العائلية المرتبكة، ويضحي بحياته لينقذ رفاقه بسبب خطأ ارتكبه احد المهاجرين الجدد. وهو نموذج جديد نقيض للنموذج التقليدي في الأعمال الأدبية السابقة، وهو ذلك النموذج الذي يعيش في حالة صراع بين القيم اليهودية التقليدية وقيم الواقع الاستيطاني الجديد على ارض فلسطين, وظلت معالم هذه الشخصية مسيطرة على الواقع الأدبي الإسرائيلي إلى أن استطاع جيل ما بعد الستينات مثل عاموس عوزر، وا.ب يهوشراع، واهارون افيلفيلد، وعماليا كهنا كرمون التخلص منها.
وسع الأدب الإسرائيلي من أنماط أبطاله اعتبارا من الستينات فصاعدا، فأصبح هناك شخصيات تنتمي إلى يهود ألمانيا، والى الشباب اليهودي في بولندا خلال فترة النازي، وشخصيات تعبر عن مصائر من نجوا من النازي سواء في أوروبا أو من هاجروا إلى فلسطين، وشخصيات تعبر عن يهود الشرق"السفا رديم" والمهاجرين الجدد، وتمثلت في انتاجات العديد من الأدباء أمثال نعومي فرانكل، وأهارون أبيلفيلد، وشماي جولن، وشمعون بالاس، وسامي ميخائيل، ويهودا عميحاي، وعاموس عوزر، ويورام كنيوك، ورائيل دايان. لقد تلمس الأدب طريقه من النحن إلى ألانا ليعبر عن الفرد في صراعا ته ومواجهة المتناقضات التي يعانيها، وما أن وصل إلى ألانا حتى عاد الكتاب ليتساءلوا عن الصلة بين بينهم وبين النحن، وقام جيل من القصاصين يحاول أن يقطع الرابطة بين "الأنا" والمجتمع وجعلها مركز الوجود، ومنهم من سعى إلى الأنا الخالصة، وبرغم ذلك إلا أن هذا الأدب يعود إلى مصادره لدى سماع طبول الحرب كما حدث في حرب 67حيث عاد المبرزون من أدباء جيل البالماح وجيل حرب 48 من أمثال شامير وجو لدي والترمان و س. يزهار وعميحاي فانتصبوا في مواقعهم مجندين كما كانوا في البداية بالرغم من تمردا تهم السابقة.
بفنحاس ساديه والحياة كمثال.
يذكر المؤلف أن الموجة الجديدة دخلت إلى الأدب الإسرائيلي من ثلاث مداخل مختلفة: بالتأكيد المتطرف لمبدأ ألانا، وبالالتجاء إلى ذكريات الطفولة المرتبطة بعالم يهودي آخر، هو عالم ما قبل الفترة الصبارية، و بصياغة الأركان المظلمة في المجتمع الإسرائيلي والتي لا تقف في مركز الحياة الاجتماعية بل في إطرافها وتتيح عرضا لشخصيات فريدة، ومن الكتب المهمة الممثلة للموجة الجديدة "الحياة كمثال" للكاتب بفنحاس ساديه،
وهو كتاب اوتوبيوجرافي شكل نقيضا حادا للبيوجرافيا النموذجية لأبناء جيل البلد، يقول في مقدمة روايته:"إن هذا الكتاب هو عن ذاتي، عن إنسان منعزل يعيش مخفيا وجهه في صمت، ويرتدي ملابس رمادية، وأنا أحاول أن اكتب هذا الكتاب(حسب قول عالم الأسرار) ليس وفقا لرؤية الأشياء، بل وفقا للروح والمفهوم، وأنا أحاول أن اكتب ليس بواسطة الفن المزيف للمثقفين، بل بواسطة فن السخط وإحساس القلب، والدموع، والدعاية والأشواق، والقلق والذعر، إنني اكتب عن الحياة كما لو كنت اكتب عن مثال عن حلم".وكتب يقول"إذن فإنني لا أتحدث عن أي شئ خارج خارج نطاق التجربة الداخلية خارج الروح، وخارج كينونة وجود الفرد، ولست أتحدث عن مجتمع، وعن علاقات وعن تاريخ، وعن حكمة حياة وعن الآلهة، وعن كلاب جهنم، ولقد وقعت حروب وتوقفت، وأثارت أعمال الدولة الغبار ثم كنزت، وما تبقى في فقط هو لغز الحياة الشخصية، والذي لا يتكرر هو حياة الإنسان الفرد في مواجهة الرب الواحد، لهم مخصص كتاب: الحياة كمثال". إن هذا المانيفست الشخصي كتب من خلال احتقار للقارئ البرجوازي الصغير الذي يريد المؤلف أن يفاجأ ه باعترافاته، ويعرض أمامه حياته الشخصية كنقيض لحياته المنظمة، ويثبت حق الفنان في أن يعيش بكتاباته، وسادية يؤكد انه في طفولته قد جذبته الكنيسة، ومنذ ذلك الحين وهو يستوعب ويفسر حياته بواسطة الأساطير المستقاة من العهد الجديــــد. إن الإ عتراف الاوغسطيني الذي يتحرك بين الخطأ والتوبة ومن التوبة إلى الخطأ ومن نيران جهنم إلى نعيم الحب السماوي والسعادة هو اعتراف مسيحي في مضمونه. أن ساديه يشمئز من خطاياه ويستمتع بها، ويشتاق إلى الحب السماوي ويفسر حياته كتحقيق لرؤى من العهد الجديد، إن أصدقاؤه إليوشيه وماريان ليسوا إلا صورا متناسخة من اليعازر الفقير وتولاعت يوحنا، ولندن هي القدس الجديدة، وباريس هي بابل المدينة الخاطئة، وفي أيام الحرب (48) يظهر له تمثال العذراء ويسبب له إنارة روحية، وأثناء المعارك ينفعل من راهبة فرنسية تقرأ في الكتب المقدسة بترنيم خاص بينما المدافع تهدر، إن هذا التناقض بين جو الحرب والجو الديني يكشف المبدأ الفردي الذي لا ينساق وراء الأحداث، بل يقف خارجها ويفرض طابعه عليها، والاوتوبيوجرافيا ليست وصفا لما يحدث ويجري في حياة الإنسان الخارجية، بل هي وصف لمشاعره الدينية. إن محطات فنحاس فيلدمان هي: لامبورج ومجديئيل، وتل أبيب، وتل لدفينسكي، وشاريد، والقدس، ولندن، وباريس، ومرسيليا، وطبرية والقدس، ولكنها لا مغزى لها، لأن المعترف لا يحاول أن يصف المحطات الجغرافية في التطور بل طريق الآلام الذي مر به، إنه اعتراف رجل بالغ يحكي عن مراحل بلوغه، وطريقه هو طريق الآلام الخاص بإبن أسرة مهدمة، طفل منعزل ومنطو، يريد أن يكون مريضا أو مجنونا، ولا يستطيع أن يندمج في الحياة المدنية ويتعيش من أي شئ، وطريق الآلام ملئ بالعلاقات مع النساء، إلا أنهن عبارة عن تناسخات للبطل في هذا العالم، وعلاقاته معهن ليست حياة بل "مثال"، والقاص البطل شاعر، وحياته متشابكة مع شعره، فالحلم والواقع يتداخلان، وهذا التداخل للتجربة الإنسانية، والأحلام، والتأويل النبوئي والغامض والشعر والمواعظ الدينية يكشف ألانا وعالمها، وهو تداخل ذو قوة تعبيرية هائلة. كان تقدير" الأنا" في إنتاج ساديه الرومانسي روحا والتجريبي في التعبير، بمثابة تجديد مطلق في أدب جيل الخمسينات في إسرائيل.
ياعيل ديان وخرافة البطل الصهيوني المعصوم.
من بين الذين تناولهم المؤلف الأديبة "ياعيل ديان" ابنة موشي ديان، وهي من مواليد فلسطين عام1939، وتعكس في أعمالها متناقضات المجتمع الإسرائيلي من خلال صرا عات الفرد مع نفسه وما يحيط به، ويشكل إنتاجها نظرة نقدية جريئة لأزمة المجتمع الإسرائيلي من خلال الفرد لتعكس زيف النموذج المعصوم الذي خلقه الأدب الأيديولوجي الصهيوني العنصري، وتختلف عن غيرها في أنها تكتب بالإنجليزية التي تجيدها وليس العبرية، وصدرت لها حتى عام 1967 أربع روايات "وجه جديد في ألمرآه" ثم "طوبى للخائفين" و "غبار" ورواية "ابنان للموت" أهم أعمالها.
شخصية البطل"دانيال" في "ابنان للموت" تتعرض لمأساة اختيار تراجيدية في أحد معسكرات النازي، حيث يمسك النازيون بدانيال وأخيه وأبيه، وفي المعسكر يضعوا الأب أمام خيار تراجيدي: إي من ولديه يريد أن يبقى على قيد الحياة معه، وايهما يجلد بالسوط؟ يتخذ الأب قرارا مريعا فيختار الأخ الأكبر"شموئيل" الذي يلقى حتفه على يد النازيين بينما يبقى دانيال على قيد الحياة، تلك اللحظات المصيرية تترسب في أعماق دانيال، فإن تخلي الأب عنه يظل مبعثا للمرارة في نفسه، ولا ينسى أن أبيه حكم عليه بالموت وان كان رغما عنه، والأب لا ينسى تلك اللحظات أيضا ولا لماذا فضل احدهم عن الآخر، تلقي التجربة ظلا لا ثقيلة على العلاقة بين الابن وأبيه إلى أن يتقابلا بعد ذلك بعشرين عاما في إسرائيل.
ينجو دانيال من معسكر النازي ليتربى في كيبوتس بإسرائيل في السادسة من عمره حيث يلقن ويصب داخل القوالب الأيدلوجية الصهيونية. وينشأ منطويا متشككا، ويلتحق بالجيش ليخوض تجربة الحرب التي لابد وان يخوضها جميع أبطال روايات ياعيل، الصراع والعنف والقوة من اجل البقاء، ويصبح جندي محترف ليخوض معركة سيناء عام 1956 حيث يواجه مأساة تزلزل أعماقه. أن على دانيال أن يتفحص جسرا ليتأكد إذا كان المصريون لغموه أم لا، ويتطوع صديق عمره "يورام" لفحص الجسر الذي بدا غير ملغم، وهو الوحيد الذي استطاع أن ينفذ من حساسية دانيال وانطواؤة و يمثل له البديل عن كل ما فقده، وبضغط منه يتركه دانيال ليتفحص الجسر، ويسمع صوت الانفجار، لقد أصيب يورام ويموت في النهاية، وهكذا يتهم دانيال نفسه بالتسبب في موته، وبسبب الحرب يفقد الصورة التي كانت تمثل الكمال بالنسبة له ويفقد إنسانيته.
ويعود دانيال إلى الكيبوتس ثم يحاول أن يدرس في تل أبيب رافضا الحديث عن الماضي أو حتى السؤال عن مصير والده. ولكن الماضي يطارده، إذ تصله رسالة من أبيه، إنها باللغة البولندية التي يجهلها، كلاهما يجهل لغة الأخر وتزداد الهوة بيناهما اتساعا، لقد تزوج الأب وأنجب ابنه وحين سمع بان دانيال على قيد الحياة في إسرائيل قرر أن يعيش بجواره, وهجرة الأب لا تبررها الدوافع الصهيونية، فقد جاء ليبقى بجوار الابن، واضطهاد النازي الذي دفع بدانيال إلى ألهجره لم يعد موجود، وكأنما أرادت ياعيل أن تبرز التناقضات بين الجيل الذي عاش وتربى في فلسطين "الصبار يم" والجيل القديم الذي هاجر بدون دافع صهيوني.
تبدأ مأساة أخرى حين يصل الأب إلى إسرائيل، يكتشف الأطباء انه مريض بسرطان الرئة فيسلم بمصيره ويحاول أن يلتقي مع ابنه ليتفاهما قبل موته، ولكنهما لا يمكنهما حتى الحديث بغير وجود المترجم، ودانيال من أعماقه يحتقر أبيه ويحاول الهروب والتخلص منه بينما يظل الأب يثرثر عن وارسو، وكأن جيل الصبار يم يحتقر الجيل القديم الذي لا يستطيع الانقطاع عن ماضيه، وحتى حين يدخل الأب المستشفى وتبقى له أيام معدودات، يعجز دانيال عن اجتياز الحاجز بينهما ويفكر في أن أفضل وضع لأبيه هو أن يعود إلى وارسو ليثرثر مع رفاقه، ويلتمس لنفسه الأعذار لتجنب زيارته. ويلتحق دانيال بعمل يوفر منه ثمن تذكرتين بالطائرة في اتجاه واحد فقط إلى وارسو لأبيه وزوجته، ولدهشته يصدم الأب ويلطمه على وجهه انه لا يريد أن يراه إلا حينما يكون مستعدا للاعتذار أمامه، ولا يعرف دانيال أين خطأه ولم يعتذر، فهو يشعر أن أباه غير سعيد وانه لن يجد السعادة في إسرائيل، أليس من الأفضل له أن يعود إلى بولندا؟ وكأن جيل الشباب لا يرى في إسرائيل حلا للمشكلة اليهودية وإنما بداية لسلسة من المشاكل والمعاناة، ولكن دانيال لا ييأس ويقرر زيارة أبيه ليتعرف على أعماقه، وما أن يصل حتى يجده قد فارق الحياة، وكأن موت الأب هو الحل الأخير للتفاهم، ووجود الأب كان يمثل الحضور لماضي دانيال، فهل تنقطع الروابط بين دانيال وماضيه بموت الأب؟ لا تترك ياعيل هذا التساؤل بلا حل، ففي نهاية الرواية نجد دانيال الذي لم يصلي ابدآ، يقف أمام قبر أبيه ليصلي من أعماقه، وكأنها تدعو إلى العودة إلى ماضي اليهود الروحي بعد أن تحطمت القيم الدينية، انه اعتراف بان دولة إسرائيل لم تقم على أساس من الدين بقدر ما قامت على أساس صهيوني سياسي عنصري.
وبالرواية شخصيات أخرى مرسومة بعناية، منها تلك الفتاة المستهترة التي يقابلها دانيال وتحمل منه وتجهض نفسها دون أن يدري، فيكتمل فقدان دانيال لكل شئ، صديقه الوحيد وأبيه وابنه حتى قبل أن يولد، يفقد رموز الماضي والحاضر والمستقبل
الاتجاهات العامة للأدب الإسرائيلي بعد حرب 1967.
يرصد المؤلف اتجاهات الأدب الإسرائيلي بعد حرب 67 التي خاضتها إسرائيل لكي تفرض إرادتها ووجودها في المنطقة، ولكي تحقق حلم دولة إسرائيل الكبرى.
إذا انتقلنا إلى ردود حرب 67 على الأدب الإسرائيلي، فلن نجد اختلافا كبيرا بينها وبين حرب 1948 من حيث تأثيرها على الأدباء ألا في التناول الفني للعمل الأدبي على ضوء التيارات المعاصرة في عالم القصة والرواية والشعر.
لقد ظهرت في بداية الستينات جماعة أدباء الموجة الجديدة (هجل هيجاداش) الذين بدأوا في إنتاج أدب تطبعه رغبة حاسمة في تفادي أي التزام سياسي، ويتميز بالكتابة المجازية الرمزية، وكانوا خاضعين في معظمهم لتأثير كل من فرا نز كافكا، والأديب الإسرائيلي شموئيل يوسف عجنون. وكانت أعمالهم رد فعل معادي لأدب البالماح السياسي والاجتماعي. ففي جيل البالماح كان يوجد مركز مشترك للقيم يؤمن به كل المشاركين في العملية الإبداعية، واضح لكل من المؤلف وأبطال العمل الأدبي والقارئ، ويحدد الالتزام ومعالجة المواقف الأدبية. أما بالنسبة لجيل الستينات فقد اختفى هذا المركز ألقيمي ولم تعد هناك لغة مشتركة يتحدث بها الجميع، وأصبحت عزلة الرواة والإبطال عزلة اجتماعية وايدولوجية معا، بينما كان الذي يجمعهم في جيل البالماح السابق هو التوحد الاجتماعي والايدولوجي.
إن أدباء مثل عاموس عوزر، وأ.ب. يهوشراع، ويتسحاك أورباز، ودافيد شحر، ويهودا عميحاي، ويتسحاك أورن، وشلومو نيتسان، وهم جميعا ممن اتخذوا مواقف يسارية ملتزمة، كانوا مخلصين لذلك العالم المميز بجو الغربة، والعزلة، والانطواء، والكشف عن العالم الداخلي والمنعزل للأبطال الذين يخضعون لعقلانيتهم، والذين فقدوا سلامة الطوية تماما، ويواجهون بشاعة الواقع الذي تعرى من أقنعته المزيفة، بعيدا عن الأوهام، ووضعوا علامة استفهام مريرة من خلال بنيان رمزي مجازي.ويمكن أن نلخص تلك الرؤيا على النحو التالي: إن القيم التي يأمل أبطال الرواية في الانتماء إليها ( الآخر، والطبيعة، والقوى الإلهية التي تحكم العالم الخ) يمكن الحصول عليها ، ولكن الثمن سيكون دمارا متوازيا للطرفين، إنها مغامرة بطل متوحد ومهجور وغريب، ويحاول أن يقيم علاقة أو اتصال بامرأة أو رجل، أو بالطبيعة، أو القـــــوى الإلهية، أو القوى المتوحشة خلال مجرى القصة،فتكون لحظة تحقيق الاتصال والوصول إلى الهدف هي لحظة انبثاق الأهواء والدمار والكارثة، أو يدمر ما يقترب منه.
هذه الحبكة نجدها بشكل خاص في الأعمال الأولي لكل من يتسحاك أو بار، وعاموس عوزر، و. أب.يهوشراع الذي يقدم مثالا جيدا عليها في قصة (رحلة باتير الليلية) عـــام 1972، حيث يصف الأديب قرية معزولة في الجبال يقرر سكانها إقامة اتصال مع العالم والبشر الآخرين عبر إخراج القطار السريع الذي يمر بالقرية مرتين في اليوم عن سكته الحديدية، وهكذا وسط الحادثة وصراخ المتألمين والجرحى، يتمكن القرويين من الحصول على لحظة ارتقاء روحي ومشاركة حقيقية مع الآخرين، عند هذا فقط يمكن للبطل أن يتحد بمحبوبته، في تلك الأرض التي مرت بالتجربة.غير أن استحالة إقامة علاقة مع طبيعة لا مبالية وغريبة كانت تتخذ في إسرائيل تفسيرا قوميا، إن الطبيعة غريبة لأن الإسرائيليين لم يتمكنوا من الاندماج في بلد غريب ليس هو بلدهم،وأن المعاناة ليست وجودية فقط، ولا تنتج فقط عن واقع أن الفرد ألقى به في هذا العالم، بل أيضا عن واقع أن هذا الفرد ألقى به في بلد غريب يستعد للفظه، والبطل الإسرائيلي الذي طبعته تجربة اجتماعية خاصة هي إنجاز الحلم الصهيوني، لا يصل إلى التوحد المنشود إلا عبر الدمار والحرب، ويمكن أن نجد نموذج على هذا المزج بين الموضوعات الوجودية والقومية والمواقف السياسية والاجتماعية والإنسانية عند بطل أ . يهوشراع في قصة (في مواجهة الغابات) 1969. فالبطل يعمل حارسا لغابة، ويحلم بالحرارة والضوء معا، وهو ما يفسر رمزيا انجذابه نحو النار، ونجد أن الحلم الشخصي يتحول إلى حلم اجتماعي حين يكتشف البطل إن هذه الغابة تخبئ في باطن أرضها أطلال قرية عربية، فتتخذ النار دلالتها الاجتماعية، حيث يهدف احتراق الغابة إلى الكشف عن ماضي مخبوء، ماضي حقيقي له دلالة.
ولقد بدأ الأدباء الذين كانوا منذ عدة سنوات يختارون العالم الخيالي كخلفية لإنتاجهم الأدبي، يتجهون إلى الواقع الإسرائيلي بعد حرب 1967، على سبيل المثال رواية (رحلة دانيال)1969 التي نشرها إسحاق أور باز بعد روايتين رمزيتين، وهي عن فتى يعود إلى بيته بعد حرب 67 وهو ممتلئ بأسئلة لا تتيح له العودة إلى إطار حياته الذي اعتاد عليه قبل الحرب، ورواية أ. يهوشراع (في بداية صيف 1970) وتحكي عن أيام حرب الاستنزاف.
شموئيل يوسف عجنون
إن الحدث الأدبي الذي أحدث ضجة في سنوات ما بعد الحرب هو نشر رواية(شيرة) للأديب شموئيل يوسف عجنون، والتي رفض المؤلف نشرها لسنوات طويلة، هي الرواية الثانية لعجنون ذات الأجواء الفلسطينية بعد رواية (الأمس البعيد)، وتبدأ أحداثها في نهاية الثلاثينات عشية الحرب العالمية الثانية، وتنتهي الروايةـ التي لم يتمكن الكاتب من إنهائهاـ في بداية الأربعينات، في أيام الحرب والغليان الذي عم فلسطين وأحداث الثورة العربية ضد الاستيطان الصهيوني والبريطانيين، ولا يرجع ذلك الاهتمام إلى حصول الأديب على جائزة نوبل عام 1966 مناصفة مع الشاعرة اليهودية الألمانية نيللي زاكس، بل إلى قيمة الرواية كعمل فني، ومغزاها في مرحلة ما بعد حرب 1967.
إن عجنون في "شيرة" يعبر بوضوح عن رجال "بريت شالوم" (حلف السلام)، وعن علاقة العرب باليهود، وعن حركة التمرد ضد البريطانيين، وعن الحياة داخل الكيبوتس، وعن جوانب سياسية واجتماعية هامة ليس فقط في زمن الرواية، بل أيضا بالنسبة للفترة التالية لها وحتى ما بعد حرب 1967.
من المعروف عن سمات أدب عجنون انه ليس أديبا متفائلا مملوءا ببهجة الحياة، ولا يميل لأن ينهي قصصه بالنهايات السعيدة، لكن انعدام الأمل والرابطة اللتان تسيطران أكثر على علاقة هريست وهنريتا زوجته، ربما كانتا تدعوان لليأس بالنسبة لعلاقة رجل وزوجته بالنسبة لما وصفه في قصصه، ولا يعني هذا أن الحياة الزوجية تجري على ما يرام في أعماله الأخرى، على سبيل المثال قصص "قصة بسيطة" و "بدماء أيامها" و "الطبيب ومطلقته" و "وجوه أخرى" و برنهايم" وغيرها، فبالرغم من الألم الذي يعتصر القلوب في هذه الإنتاجات، فأنها لا تنطوي على كفر مطلق باحتمال أن يصل الزوج والزوجة إلى تفاهم متبادل، هذا الكفر موجود في شيرة، وربما كان هذا التشاؤم من العوامل التي أعاقت المؤلف عن نشر روايته وهو على قيد الحياة، إن عجنون الذي يعتبر بمثابة الوحيد في الأدب العبري الذي يمكنه أن يثير انطباعا خاصا عن طريق استخدام الرموز السفسطائية المعقدة للغاية، قد تعقب بلا رحمة رحلة مانفريد وهنريتا. إن تدهور الحياة الزوجية الذي يشكل محور الرواية مقنع ومذهل، لأنه تدهور بطئ ومتواصل وليس حقيقة قائمة سلفا، لقد كانت هنريتا هي الحب الأول والوحيد لمانفريد. والأديب يسير بالقارئ في البداية في طريق مضلل حينما يعلق جرس الابتعاد المتبادل بينهما في رقبة هنريتا. لقد شاخت وكبرت قبل الأوان، وكانت منشغلة في الحصول على تصاريح هجرة لأقاربها في ألمانيا، ولم يكن قلبها متفرغا لحب زوجها، وكانت مشاغل المنزل تقضي على البقية من قوتها، وكلا الزوجين ينامان كل على حدة استجابة لرغبة هنريتا، وقد جاءت سارة الصغيرة لأن الزوجان احتفلا بعيد ميلاد مانفريد، وقد يبدو أن هنريتا إذا غيرت من عاداتها مع زوجها، فإنه سيتراجع عن أفكاره عن" شيرة" وعي سائر النساء، ويعود بقلب خالص إلى زوجته ذات الصفات الممتازة، وبالفعل فإنه يوجد تحول في العلاقة بين هريست وزوجته، بعد زيارة الاثنان لابنتهما زهره في الكيبوتسا (كيبوتس في طور الإنشاء) لقد حدث اقتراب مانفريد من هنريتا لأنه أراد أن يغطي على خيانته، وبينما كانت هنريتا فخورة وسعيدة بحملها الرابع( على عكس حالتها في الحمل السابق الذي كان يمثل عبئا ثقيلا عليها) وكانت تتسلى بفكرة أن ابنها سيكون اصغر من حفيدها الكبير، كان هريست يرى في نشوة باردة إلى أي مدى يعتبر حمل امرأة عجوز حملا مضحكا ومغضبا، ووصف زيارته هنريتا في المستشفى بعد الولادة بوصف رهيب "لقد أنهى مانفريد كل أحاديثه مع هنريتا، ولو جلس معها ألف سنة لما أضاف شيئا على الإطلاق"، ومن أجل مزيد من الإبراز يصف زهره الابنة التي تزور أمها في هذه اللحظة بالذات، حيث لا تريد زهره أن تفارق هنريتا"ولولا الممرضة التي قامت بحركات تشير بأن زهره يجب أن تنصرف، لكانت جلست مع أمها ساعة وساعة أخرى حتى ألف سنة وأكثر"، ومن خلال تعميق حب الابنة لأمها يتضح الاغتراب المطلق للأب والزوج.
إن وقائع مانفريد هريست تحدث على خلفية من الزمان والمكان واضحان جدا، ومعظم شخصيات الرواية تتخذ موقفا من الناحية الفكرية والسياسية، إن هريست متردد كعادته، وهنريتا العاقلة العملية تؤيد حق الدفاع الذاتي وترفض رجال "بريت شالوم" الذين يتخذون من الجامعة حصن لهم، وزهرة هي ابنة كيبوتساه وتوضح لأمها نظرية الملكية المشتركة، وتامارا الهائمة دوما تتوجه من لحظات بهجتها إلى النشاط السري، وتاجليخيت المثقف المتواضع، هو شخصية منعزلة بين الأكاديميين المنقطعي الجذور إنه من رجال الهاجاناه، وشيرة تصب الاحتقار على الجميع وتحتقر الكشف عن أسرارها.
عاموس عوزر والهوية اليهودية والإسرائيلية
يشغل البحث الجاد عن الهوية اليهودية والإسرائيلية مجمل أدب عاموس عوزر وبصفة خاصة قصتيه "حتى الموت" و " حب متأخر" اللتان نشرتا في كتابه "حتى الموت" والقصتان مختلفتان من حيث الموضوع وخلفية الإحداث والأسلوب، فقصة "حتى الموت" تاريخية تجري على خلفية الحملات الصليبية، "ففي عام 1095 استصرخ الأب المقدس أوربان الثاني المؤمنين من أجل تحرير الأرض المقدسة من أيدي الكافرين، وبعد ذلك بعام خرج النبيل جيوم دي طورون على رأس كتيبة صغيرة في حملة ألي أورشليم المقدسة". وتاريخ هذه الحملة المتواضعة هي الموضوع الرئيسي للقصة. إن جوا ثقيلا من الغموض والكرب يسود ما يحدث منذ السطر الأول، قوى غامضة ليس لها تفسير تسيطر على قبة السماء، ومصير الأشخاص مفروض عليهم من أعلى، وحتى القرارات المستقلة تبدوا نابعة من خلال قسر داخلي لا مرد له، فالرجال لا يسيرون نحو القدس، بل نحو الموت الذي تجسده أورشليم في الخيال، والتي لم تصل إليها. أما اليهود فهم الجماعة التي يتفجر فيها الغضب الغامض لأولئك الباحثين عن الطريق إلى الله، إن أورشليم بعيدة وهناك شك في الوصول إليها، ولكن اليهود الكافرين في متناول يد المؤمنين الصليبيين، فإن حملة جيوم دي طورون تسير في إثر عدة حملات تاريخية، لم تنجح في الوصول إلى الأراضي المقدسة، ولكنهم نجحوا في ذبح الكثيرون من اليهود في الطريق، وهم يقتلون الفلاحون أيضا، ولكن من اجل الحصول على الغذاء، أما اليهود فمن خلال مبدأ، والحملة تعاني، إنهم القتلة والضحايا معا، وتزداد حربهم ضد اليهود صعوبة عليهم، فهم يشعرون بالخيانة من الداخل، بأنهم تسللوا إلى داخلهم، وإلي أنفاسهم، وربما يوجد يهودي تسلل بين المسيحيين ويدبر المكائد لهم، ويصبح هناك إحساس عند كل واحد بأن في داخله يهودي، ويبدأ دي طورون في التغير، فبعد أن كان يسعى ألي السلطة فإنه الآن يطلب الرحمة والعطف، وفي النهاية بعد أن هيئ لطورون أنه كشف عن هوية اليهودي المتسلل بين حاملي الصليب، وأعلن عن نيته لقتله، سقط النبيل على رمحه وانتهت حياته، أما اليهودي الحقيقي أو الوهمي فإن دي طورون لم يستطع أن يفعل له شيئا، وهكذا تنتهي قصة عاموس عوزر وكأنه يوحي بأن دي طورون قد قتل نفسه حبا في ذلك اليهودي الذي كان ينوي قتله.
أما القصة الثانية "حب متأخر" فتتناول حياة وأفكار شرجا أونجر المحاضر العجوز، والذي يقوم بدور القاص بضمير المفرد المتكلم، وهو على حافة التدهور الجسماني والنفسي، وفكرة واحدة تطارده، إنه يخاف من الروس ومن المؤامرة البلشفية ضد إسرائيل، ويرى في خياله كيف أنهم يخططون لإبادة يهود روسيا ودولة إسرائيل في ضربة واحدة، وهكذا فإنه يكرس الأيام القليلة الباقية من حياته من اجل أن ينذر بالخطر المقترب، دون أن يستمع إليه أحد، ولكن رويدا رويدا يتضح أن شرجا أونجر هو في الحقيقة يحب الروس، وأن مظاهر الكراهية لم تكن إلا مظاهر حب خفي، وأنه يؤمن في أعماق قلبه بأن الروس أيضا يحبون اليهود، "الدببة البيضاء التي تتوق إلى تمر الصحراء".
ويمضي بنا الدكتور رشاد عبد الله الشامي في رحلة عبر الأدب الإسرائيلي، محللا ومترجما ومعلقا على الأدب الإسرائيلي شعرا ونثرا ومسرحا، رحم الله الدكتور عبد الله الشامي فكم كنا بحاجة إلي علمه الغزير ورؤيته العميقة، ولعلنا نجد من بين دارسي الأدب العبري من يستكمل مسيرته وصولا إلى الأدب العبري المعاصر، وحتى تثري معرفتنا بالآخر في ذلك الصراع الحضاري الذي لاغني فيه عن المعرفة في عصر المعلومات.
كتبها صلاح راغب في 02:08 مساءً ::
تصور للأشتراكية كما يجب أن تكون هل تتفق معها او تختلف ؟!!! أتمنى التعقيب وعلى فكرة شغلك رأئع
عزيزي سيزيف البطل التراجيدي وحشتني زياراتك
الاسم: صلاح راغب
